أشعر منذ إنفجار الأسكندرية بنوع من عدم التوازن النفسي ، ينتابني قلق شديد ، ويؤرقني ما أراه على شاشات القنوات الفضائية الإخبارية المختلفة ، فالوضع تعدى الحادث ، والحدث أصبح أكبر من مجرد قنبلة إنفجرت لتطيح برقاب العباد في مكان العبادة و تطيح بإستقرار و سلام شعب لم يعرف سوى السلام و الإستقرار طوال عمرة الشاب البالغ سبعة آلاف عام ، شاب مسيحي محمول على الأعناق يشير بذراعيه علامة الصليب ، ويهتف بكلمات لم أسمعها من فرط الصخب البادي على المشهد و المسيطر على آذان كل من فيه ، فقط ملامحة تعني الغضب الشديد ، لكني مع الغضب داخل نظراته ، توجد نظرة يأس لا تخطئها عين ، هو لا يثور ليغيّر إذا ً ، هو يثور لينُفّس عن ما في داخله من غضب ، أو هكذا أعتقد أنا ، وهذة سيدة مسيحية أخرى يجري معها المزيع حواراً ، فيسألها سؤال ملغوم و غير بريء ، " إيه رأيك في إللي بيحصل للمسيحيين في مصر ؟ " فتجيب السيدة بصراحة و سزاجة ،" لازم الحكومة تحمينا ، ولو الحكومة بقى مش عارفة تحمينا ، إحنا نكلم أمريكا تيجي تحمينا " ، لم أفهم من أقنع هذة السيدة أن أمريكا يمكنها أن تأتي لتحميها ، هي لا تعلم إذا أن أمريكا لا تحمي إلاّ المصالح الأمريكية فقط ، رجل آخر من الواضح إنه مسلم ، فعلامة السجود على جبهته واضحة ، يقول " والله حرام كده ، دول أخواتنا و أصحابنا ، مايصحش يحصل لهم كده " وأنا في الحقيقة لا أفهم لماذا نصر على أن ما حدث هو مصاب أصاب المسيحيين فقط من أبناء هذا الوطن ، أكاد مع كل لقطة ، أشعر بيأس شديد و إحباط أشد في مستقبل هذا الوطن ، أحاول أن أتذكر أصدقائي المسيحيين اللذين قابلتهم على مدار سنوات عمري ، أولهم مينا ، الذي كان يركب معي أتوبيس المدرسة كل يوم ، وجورج صديقي في الفصل ، وهاني و إيهاب أصدقاء ثانوي ، ثم أصحاب عمري ، وحيد و باسم و بيتر و اشرف ونبيل ، و أخيراً صديقي ماجد الأقرب لي من أخي و الأحب إلى قلبي ،والوحيد الذي أثق فيه ثقه مطلقة في هذا الكون بعد زوجتي ، كل هؤلاء و غيرهم ممن عرفت و قابلت في حياتي ، أين هم الآن ، كم هم مستائين جدا مما حدث بالتأكيد ، هل منهم من أصيب أو قتل ؟ ربما لا ، فلا يوجد أحدا منهم يعيش في الأسكندرية ، لكن ربما كان أحدهم هناك بالصدفة ، أُسرع إلى التليفون المحمول ، أطلبهم فردا فردا ، جميعهم بخير ، وجميعهم غضبان ، منهم من أعرب عن غضبه بالسخرية ، و أغلبهم أعرب عن غضبه بحدّه ، لكنهم جميعا أعربوا عن ما يجيش في صدرهم من غضب بوضوح لا يقبل التأويل ، أنا أيضا أشعر بالغضب ، بل الغضب الشديد ، أصدقائنا المشتركين المسلمين أيضا جميعهم يشعرون بنفس ما أشعر ، إبراهيم و وليد و هاني و محمد ، الجميع يستنكر و يرفض ما حدث ، إذا من هو المستفيد من كل ما يحدث ، و ما سوف يحدث لهذا البلد ؟ إذا كان المسلمين و المسيحيين يرفضون ما حدث ، فمن هذا الآثم الذي يريد أن يلقينا إلى التهلكة ، من ذا الذي يخطط ليزج بنا إلى آتون من الصراع الطائفي ، مازلت أقلب بين الفضائيات لأعرف أكثر عن الحادث تقابلني قنوات متأسلمة كثيرة ، تعرض ما يحلوا لها من مواد إعلامية ، لاحظت في إحداها رجل يصرخ في المشاهدين من فمه المختفي تماما تحت شعر ذقنه ، فقط ما لفت نظري في صرخاته أنه يصرخ بآيات من القرآن الكريم ، من سمح لهذا الرجل أن يتلو آيات القرآن بهذة الطريقة الفجّة ، شعرت وقتها بالإهانة , و مع إستمراري في التنقل بين الفضائيات ، صادفتني فضائيات آخرى مسيحية ، لا يوجد بها صراخ ، ولكنها تحمل في طياتها نفس الفكر ، فقط الإختلاف في التكنيك المهني – مع كامل الأعتذار لأصحاب مهنة الإعلام – وفي النهاية لم أستطع التحمل فأغلقت التليفزيون ، لأستمع لصوت فيروز يأتيني من غرفة نومي خفيضا رقيقا حنون ، حيث تستمع زوجتي لها و هي تغني
" إيه في أمل "











