Pages

زرار قميص


لم تشعر بالتعب وهي تنهي أعمال المنزل المعتادة ، وترمي جسدها النحيل المنهك ، ليلتصق بجسد أمها الممتليء من أثر التقدم في العمر و قلة الحركة ، على الكنبة الوثيرة في الصالة ، لم تشعر بالتعب لأنها إعتادت أن تفعل ذلك دوما ، كل يوم ، كل ساعة ، كما أنها من نوع البشر ، الذي لا يلقي للتعب الجسدي بالا ، فقط نفسيتها عندما تتعب يمكن أن تُقعد جسدها عن الحركة ، وتحيلها إلى كائن شاحب هزيل .هي إنسانة شاعرية إلى أقصى مدى ، تزوجت مبكرا ، وطلقت مبكرا أيضا ، لا ينقصها مالا أو جمالا أو تعليم ، فقط هي لا تنجب ، ولن تنجب إلا بمعجزة من السماء ، وفي عصر لا يؤمن به أحد بمعجزات السماء ، حُكم على زواجها بالإنهيار ، وعليها بالوحدة .عادت كأي مطلقة إلى بيت أهلها مرة أخرى ، لم تشعر بالجرح ، فالسنوات الثلاث التي عاشتها في بيت زوجها السابق ، لم تعني عندها اي شيء ، سوى إعتياد الحياة مع رجل تقليدي جدا ، وحتى لحظة إتمام إجراءات الطلاق ، لم يتحرك داخلها سوى إحساس بالهزيمة ، وإكتشفت أنها لم تُكنّ لهذا الشخص الذي كان زوجها منذ لحظات ، أي مشاعر سلبية أو إيجابية ، و عندما عادت مع شنطة ملابسها إلى منزل العائلة ، لم تشعر أنها غادرته إلا منذ وقت قصير ، وكأن الثلاث سنوات التي مرّت عليها في بيت الزوجية لم تكن ولم تمر ، وكأن هذا الرجل كان حلماً وإستيقظت منه بعد نومة طويلة نسبيا .

مدّت ذراعها لتلتقط بأناملها حبيبات اللب الأبيض التي تعشقه من طبق المكسرات الكبير على طاولة الأنترية ، دسّت حباية لب بين اسنانها وشرعت في كسرها بإحتراف النساء في هذة الأمور ، عندما سمعت دورة المفتاح في كالون باب الشقة ، هو أخوها بالتأكيد الذي جاء ، أخوها الكبير ، هو الآخر مطلق منذ عامين ، رغم أنه يعمل مدرس بالجامعة ، ولديه كل مقومات الزواج ، وسنة لم يتعدى الأربعين ، إلا أنه لا يريد الزواج مرة أخرى أبدا ، فقد خرج من تجربة زواجة الأول بعقدة كبيرة ، وعدة فضائح ، وقضيتين ، وحزن لم يفارقه منذ حينها ، وجفاء وفتور بينه وبين كل العالم من حوله ، أصبح صموتا مكتئبا ، يبتعد عن الناس و الأهل ، وحتى عنها هي ، أخته الصغرى التي طالما أحبها و دللها ، ولأن المصائب لا تأتي فرادى ، فقد أصيب أيضا بمرض السكري ، والذي زاد من عذابها إصراره على حقن نفسه دون مساعدة بالأنسولين كل يوم ، ورفضه تماما مساعدتها هي أو أمها له في هذا الأمر ، أو أي أمر آخر ، وحيدا أصبح هو ، وأمسى ، وصار أكثر من وحيد .

مالت علبها أمها تهمس لها بعد أن ردّت التحية المقتضبه التي ألقاها هو عليهن ، بأن تسأله إذا كان يريد طعام الغذاء الآن ؟ إتجهت هي إلى باب حجرة أخيها تطرق عليه بحذر ، و كأنها تخشى أن تجرح وحدته ، حتى لو بصوت ، جائها الرد مقتضبا جدا ، " إدخل " ، رسمت إبتسامة عريضة على شفتيها وفتحت الباب بتؤده ، دخلت لتجده يخلع قميصة الذي كان يرتديه ، سألته بحنان وهي تربت على كتفه ، " مش جعان يا أبيه ؟ " رد بهدوء ، " لا " تنظر إلى زراعه العاري وتتذكر كم نامت من قبل على هذا الذراع ، كم كانت تشعر بالأمان و الحماية و الإطمئنان ، تذكرت هذة الندبه التي كانت هي السبب فيها ، عندما تشاجر أخيها مع أحد الغوغاء الذي حاول أن يجذبها من ذراعها في السوبر ماركت ، فجرح بنصل المطواة التي كان يحملها هذا الشخص السمج ، كم تمنت أن ترتمي في أحضان أخيها الآن ، وتبكي ، كم تمنت أن تجعله هو أيضا يبكي ، يخالجها يقين بلا دليل ، أن بكائها و بكائه سيعيد له الحنان المفقود ، وسيعيد لها الأمان المفقود أيضا ، لا تعرف كيف ، ولا لماذا يستعر داخلها هذا الإحساس ، فقط هي متأكدة بلا سبب مقنع أو واه ٍ ، أفاقت من ذكرياتها على صوته الهاديء الحزين يطلب منها أن تخيط له زرار قميصه الأبيض ، فلقد أنفصل عن موضعه كما يحدث أحيانا ، خرجت مسرعة إلى حجرتها لتحضر أبرة و خيط ، ممسكة بالقميص بين يديها ، وفرحة ، فهي المرة الأولى منذ عامين ، التي يطلب منها شيء بشكل مباشر و صريح ، جلست على طرف سريرها في غرفتها و بدأت تخيط القميص رويدا رويدا و بمنتهى الدقة و الحرص ، تأكدت من أنه قد ثُبًت جيدا ، حاولت نزعه عدة مرات زيادة في الحرص ، ثم عادت إلى أخيها الذي كان قد إرتدى بيجامته اللبنية ، قالت له " إتفضل يا آبيه " أخذ القميص من يدها ، وهمَت بالإنصراف ، عندما وجدته يميل ناحيتها و يطبع قبله أخوية جميلة على جبينها الخمري ، لم تستطع منع دموعها من الإنهمار ، حاولت حبس أنفاسها ذاتها دون جدوى ، شعرت أن أخيها عائد من سفر طويل ، وكأنها تراه لأول مرة منذ سنتين ، إحتضنها و قبّلها في شعرها الناعم ، قبلتين أخرييتين ، ومضى إلى الحمَام ، بللت دموعها وجهها ، وأرتسمت أبتسامة فرح حقيقية على وجهها الملائكي ، ولم تشعر إلا و يدها تقتلع زرارا آخر من مكانه ولكن من القميص الكحلي .

11 comments:

Ms Venus said...

اخذتنى القصة كثيرا


كانت عينى تجرى على الكلمات ولكنها لا تراها حروفا بل تراها مشهد متجسد امامها

حتى دموع الفتاه رأيتها وأحسستها

بل شعرت ان لامستها ايضا


رائع اسلوبك

زيارتى الاولى ولن تكون الاخيرة

تحية لك وتحية لقلمك الرشيق

star in the sky said...

دى اول مرة اقرا حاجة من اعمالك

بس القصة حلوة جدااا
وفيها مشاعر جميلة اووى

ـ-ـ- أحمد عبد العدل-ـ-ـ said...

أبو عمر الجميل

ده شعر مش قصة
بجد تسلم روحك الجميلة ،،، بقى نادر أوى ان الناس تحس ببعضها
________________

اتمنيت أكون موجود يوم الجمعة لكن القلوب مع بعضها ،،، يارب دايماً نبارك لكم و فرحانين معاكم بكل نجاحاتكم

و حمد على سلامة عمر ،،، :))


تقديرى

sweet angel said...

اول مرور ليا
اسلوبك رائع جدا
والقصه جميله
سلمت يمينك

Mohamed said...

تحياتي ياباشا
علي الإبداع ده
القصه حلوه
جدا

يارب عمووووورررر
يكون بخير

ويارب انت وبوبو تكونوا كويسين وتفضلوا بخير علي طول

سلااااااااااااااام

ستيته حسب الله الحمش said...

جميلة جدا
ومكتوبة بشكل سلس وممتع جدا
وتقول حكمة خالدة
أن الغائب مهما أخذته الطرق
مهما تاه
مهما آلمته الجروح
فهو عائد
ولكن أعطوه وقته وافسحوا لروحه مكانا تتنفس فيه لفترة

تحياتي

صبرني يارب said...

حلوه حلوه حلوه حلوه

بجد يا استاذ وليد فظيعه

اولا احساس القصه فظيييييييع

ثانيا القصه بتاعتك اتكت على العقده النفسيه بتاعتي الاخ المفقود اصل انا ماليش اخوات رجاله

بجد تسلم اديك

واحدة مفروسة said...

هههههههههههههه
حلوة اوي
صورة حية بجد
فيها احاسيس كتيرة
كأنه مشهد سينمائي

بس سيبك انت الحركة الأخيرة
هيه اللى بالقصة كلها

ستيته حسب الله الحمش said...

وليد بيه
قرأت شبح ابتسامة
كانت اول ما فتحت عليه المدونات
ثم اعدت قراءتها
ولم استطيع التعليق
ببساطة لأني إمرأة
انت وصفت المشهد بغاية الروعة
ولكنك لم تصف مشاعر تلك الأنثى
مشاعرها صعبة جدا
اظن بتكون انفصلت عن العالم تماما
بتكون قررت تعيش بلا روح
تعيش فقط بآلية حياة
تأكل تشرب تهان تنجب ابناء
تعيش ولا تحيا

القصة جابت لي انقباضة وانا بتخيل بطلتها
وبتخيل سنين طويلة بتعدي بالشكل ده
صعبة قوي
ده صبر ولا صبر معسكرات التعذيب
آن لها ان تضحك ولا تكتفي فقط بالإبتسام

يوما ما سمعت من زميلة مقربة عن قريبة لها عند موت زوجها زبحت بقرة تهللا بخلاصها من عشرته
ساعتها لم استطع مطلقا مطلقا التعاطف مع مثل هذا الفعل

ولكن بعد قرائتي لقصة شبح ابتسامة
تخيلت وكأنهما إمرأة واحدة

عكس خاطرتي
ولكن اروع
ومن محترف حقيقي

تحياتي وتقديري

KING TOOOT said...

ستيتة
يا دكتورة يعجز لساني فعلا عن الرد على تعليقك الأكثر من رائع
مع أني أظن - وليس كل الظن إثم - أنها لم تعش كل هذة السنين جسد بلا روح
لأن الروح فينا هي التي تتعذب
أشكرك يا دكتورة على وصفي بالإحتراف
ورغم ما به من مجاملة شديدة لشخصي و قلمي فقد أسعدني جدا جدا
تحياتي و تقديري
_____________________
KING TOOOT

KING TOOOT said...

Ms Venus
مرحبا بكي في مدونتي المتواضعة
وصفك لكتاباتي بأن حروفها تتجسد أسعدني جدا
لأني مؤمن أن النجاح في الكتابة لا يكون إلا بوصول الإحساس بهذا الشكل
أشكرك جدا على زيارتك الأولى
والتي أتمنى أن لا تكون الأخيرةبالفعل
______________________
star in the sky
نورتي مدونتي يا فندم
أشكرك جدا على تعليقك الرقيق
_______________________
أحمد عبد العدل
يا رب دايما منورني
هنا و في الحقيقة كمان
طبعا طبعا طبعا كنت أتمنى أشوفك و أقعد معاك يوم الجمعة
بس حظي كان وحش إنك ما قدرتش تيجي
بس إن شاء الله تتعوض
خالص مودتي يا صديقي
_______________________
sweet angel
أشكرك جدا
وسعيد جدا بمرورك الأول
وأتمنى مايكونش الأخير
________________________
Mohamed
يا رب دايما رافع معنوياتي
عمر كويس و الحمد لله تعالى
ربنا كان واقف معاه وحاميه قوي
سلام مني و منه مخصوص ليك
سلاااااااااااام
________________________
ستيتة
كالعادة يا دكتورة
قدرتي تلخصي الموضوع في بعض سطور صغيرة
نورتي مدونتي بتعليقك الجميل
وأسعدتيني بجد بمرورك
خالص تقديري
________________________
صبرني يا رب
والله أنا معنوياتي بقت في السما بعد ما قريت تعليقك
مبسوط جدا إنها عجبتك
وبخصوص موضوع العقدة بتاعت الأخ
فياستي كلنا في المدونات أخواتك
ولا تزعلي
_________________________
واحدة مفروسة
سعيد جدا إن القصة عجبتك
وخصوصا الحركة الأخيرة
تحياتي
_________________________
KING TOOOT