Pages

Showing posts with label حكي القصص. Show all posts
Showing posts with label حكي القصص. Show all posts

الصندوق


جلس على الكرسي الهزاز الوثير ملقياً رأسه ذو الشعر المصبوغ بعناية بسواد لامع إلى الوراء ، مصدرا تنهيدة طويلة ، ترقرقت داخل عينية دمعة صغيرة قبل أن تطبق أجفانه عليها لتحبسها داخل مقلتيه ، كان يتذكر سنوات عمرة الكثيرة ، مرحلة بعد أخرى ، منذ طفولته الغير سعيدة ، طفلا في قرية صغيرة هناك ، عند حدود مقاطعته القديمة ، إلى أن وصل إلى هنا ، في قلب العاصمة ، حاكما لوطنه لعقود متتالية ، تلك السنوات التي تحمل معها الكثير من الأحداث ، آلاف المواجع و آلاف الأفراح ، وملايين الفرص الضائعة ، هو يعرف أن الكثير من بني جلدته يعتبرونه طاغية و ديكتاتور و عميل ، فقط هو لا يعرف لما ، وعلى الرغم من أنه يعتبر نفسه ديمقراطيا جدا ، مازال داخلة شيء ما يصدقهم ، ولكي يقطع الشك باليقين كان لابد أن يصدر أوامره قبل قليل ، وهو إعادة الصندوق إلى القصر الرئاسي ليرى ما بداخله بنفسه .

تذكّر نفسه متألما عندما تولى ، أو بالأحرى ولّيِ منصب الرئيس ، كان يطمح إلى بناء مجتمع مغاير لما كان سائد وقتها ، صحيح أنه لم يكن يمتلك الكاريزما المناسبة ، ولا الرؤية الفكرية الواضحة ، إلا أنه كان يفكّر دائما في شيء مختلف يحدث في عهده ، فمَن قبله كانت دائما نقاط إرتكاز زعامتهم ترتكز على الحروب ، سواء كانت سياسية أو عسكرية ، أما الآن فلم تعد تلك النقاط صالحة للإرتكاز ، فلا البلاد يمكنها أن تحارب بعد أن كُبّلت بأغلال الإتفاقيات و المحاذير الدولية ، ولا هو الشخص القادر على تحمل فاتورة كسر تلك الأغلال ، صحيح أنه الآن الرئيس ، لكنه يعلم أنه لا يمتلك عقلية زعيم ، فقط هو يمتلك عقلية موظف ، يمكنه أن ينجز المهام في سرعة و بكفائة ، لكنه لا يمكنه أن يحلم ، أو يفرض حلمة على المستقبل ، كما فعل من سبقوه إلى هذا الكرسي ، وبعد تفكير ، قرر أن يجرّب العدل ، نعم ، أن يكون مشروعة في بداية رئاسته إستعادة العدل بين الناس ، وإرجاع الثقة بين الشعب و الحكومة ، وعليه ، فقد قرر وقتها أن يصنع صندوقا كبيرا ، يوضع في وسط أكبر ميادين العاصمة ، يكون مخصص لتلقّي شكاوى المواطنين ، ويكون هو وحده من يمتلك مفاتيحه ، يُنقل إليه ، أو ينتقل هو عنده ، فيفتحه ، ويقرأ مباشرة كلمات الناس العاديين المسطورة على الورق ، فيعرف أوجاع الناس ، وترشده مظالمهم ، إلى جوانب الضعف في حكمه ، كانت الفكرة أخّاذة ، ووجد وقتها من يشجعه على تنفيذها ، بل و يروّج لها ، وبالفعل آتت الفكرة أُكُلها ، وبدأت الناس تتفاعل مع الوضع الجديد ، بضع مئات ألقوا بشكواهم في البداية ، وبدأ هو بالقراءة ، والإسراع إلى الحل ، الشيء الذي أسعد الناس و شجّع آلاف المواطنين على كتابة المزيد من الشكاوى ، عدة أشهر ، لم يكن ورائه سوى فتح الصندوق الفولاذي كل يوم ، و قراءة ما به من خطابات ، أغلبها سازج و الكثير منها خطير ، والقليل منها كيدي و منافق ، مع الوقت إكتسب خبرة في أن يُصنّف الخطابات ، ويعرف منها ما يستحق عناء المتابعة و ما لا يستحق حتى النظر إليه ، صار حبيبا للشعب في تلك الفترة ، وأصبح الصندوق هو قناة الإتصال الكبيرة بينه و بين الناس ، كل الناس ، حتى أن العاملين الصغار في ديوان رئاسته عندما قرروا أن يتقدموا له بشكوى عن سوء معاملة أحد أكبر موظفيه تقدموا بها عن طريق الصندوق ، وسارع هو في حلها طبعا ، وإستمر هذا الوضع يوما بعد يوم وشهرا يعد آخر ، حتى كانت أولى زياراته إلى الخارج كرئيس ، رحلة غياب قد تطول أسبوعين أو ثلاثة ، سيزور فيها أكثر من دولة ، لم يعرف كيف سيتصرّف ، ومن سيقرأ شكاوى الناس ، ويسعى لحلها ، فما كان منه إلا أن أمر مساعدة أن يتولّى هو تلك المهمة ، وسلّمه المفتاح الوحيد للصندوق ، بعدها عندما عاد ، سأله عن الصندوق و الشكاوى ، وكانت المرة الأخيرة التي يتذكّر فيها الصندوق و الشكاوى و الناس ، مرّت بعدها سنوات و سنوات لم يلتفت إلى الصندوق ولم يُلفت الأمر إهتمامة ، حتى عندما تم نقل الصندوق من قلب الميدان الكبير إلى إحدى زوايا الميدان المهجورة ، حيث وضع مكانه تمثالا كبيرا له وهو يلوّح بيديه إلى الجماهير ، لم يعرف أو يهتم أن يعرف مصير الصندوق و شكاواه ، وإنقلب الوضع مع الوقت ، فأصبح من يبعث بشكواة عبر الصندوق ، يُستدعى لجهات تحقيق ، وتطوّر الأمر إلى أن يتم إستدعاء أصحاب الشكاوى إلى جهات أمنية ، و أخيرا أصبح تقديم شكوى عبر هذا الصندوق معناه الإختفاء التام في اليوم التالي و إلى الأبد ، الأمر الذي دعى المواطنين إلى العزوف عن إرسال شكواهم ، وبدأوا في إرسال أشياء اخرى بدلا منها .

في هذة الأثناء كان هو لا يسمع سوى أصوات من حوله من المنتفعين ، الذين دفعوه للتخلّي عن بطانته القديمة ، و أفكارة القديمة ، عن العدل ، والحق ، والوطن ، وأقنعوه أنه يحكم شعبا من الرعاع و الجياع و السوقه ، وأن هذا الشعب لا يمكن أن يفهم أو يفقه مسؤوليات الحرية ، و واجبات الحياة الديمقراطية ، أقنعوه أنه يجب أن يفكر بدلا من الشعب ، ويقرر بدلا من الشعب ، خاصة بعد أن أدخلوا في رأسه الكبير ، أن ما يفعله هو أبدع ما يمكن ، وأروع ما هو مستطاع ، وأن الناس ناكرة الجميل لا يرون فيه الخير لأنهم طامعون و شحاذون و جهله ، وأغرقوه في عبارات التفخيم و التبجيل و التعظيم ، هو و أسرته ، مما أقنعهم بأن ما تسمعه آذانهم مٍمَن حولهم هو حقيقة مطلقة ، فبدأوا سنوات من الصلف و الطغيان ، حتى وصل إلى الآن ، والآن هو يريد أن يعرف ، هل هو فعلا متجبرا و ديكتاتورا ، هل لديه الحكمة المطلقة كما يقول له كل من حوله في قصره و مجلس حكمه ؟ أم أنها خدعته الكبيرة التي خدع بها نفسه ، ليعوّض سنوات طويله من عمره قبل أن يصبح حاكما عاشها ، هامشيا داجنا يخدم مصالح من هم فوقه و لايملك لونا او طعما أو رائحة ، تقازفته الأسئلة ، وعانقته الحيرة عناق الشجار ، فلم يجد أمامة سوى الصندوق ، طلب إحضاره فورا ليقطع الشك باليقين ، فهو لم يتلقى عنه أي خبر منذ عقود ، وفي الحقيقة هو لم يهتم حتى بأن يطلب خبرا عنه ، يشعر الآن أنه ربما لم يكن ناسيا أبدا طوال هذة السنوات ، فقط كان يتناسى حتى لا تواجهه حقيقة مرّة ، هي انه باع قضية العدل مقابل مكاسب السلطة ، وها هو الآن تحت وطأة الضغط الشعبي ، وصياح الناس ، لم يجد أمامه بد من الإقدام على تلك الخطوة الحاسمة ، سأل نفسه بدهشه هل كان يخدع نفسه عندما ظن أنه يحكم شعبا سعيدا مستقرا ، هل للناس قدره على خداعه إلى هذة الدرجة ، أم تراه هو الذي كان يخدع نفسه ، ولكن كيف هذا ، وكل الأغاني له ، وكل المنشآت بإسمه و كل المشروعات بتوجيهاته و كل الإنجازات تحت إشرافه ، إذا فلماذا لا يكون الشعب سعيد ؟ ، لكنه بعد أن خرج الناس إلى الشارع يطالبون بسقوطه منذ ايام ، أهتزت داخله تلك القناعة ، وإنبطحت تاركة صورة قاتمة أمام عينه ، معربة عن غضب شعبي لم يكن يتصورة ، وأصبح يراه ، ويخشاه ، فصرخ في طلب الدليل

الصندوق ، الصندوق ، أخضروا الصندوق ، فورا و حالا

وها هو الآن مستقر أمامه كالذبيح فوق عشب حديقة منزلة الأخضر ، لم تستطع الزهور فيها أن تخفي بعبيرها الآخّاذ عبق ما بالصندوق من رائحة عفنه ، تدل على أن جدرانه أصبحت مستقرا لزخات البول الشعبي لسنوات ، أهّلها له موقع الصندوق المنزوي في طرف الميدان الكبير ، وعلى صفائحه الفولاذية نُقشت مئات العبارات ، أغلبها يهجوه ، وقليل منها يهجو زوجته و أولاده ، عبارات من نوعية تلك العبارات التي يهتف بها الناس اليوم ، وهم يطالبونه بالرحيل ، صرخ في طلب المفتاح ، كي يرى ما بداخل الصندوق من أوراق ، وعندما استقر في يده و مدّها ليعالج القفل القديم ، عادت به الذكريات إلى زمان ، كانت الناس تهتف له و بإسمه ، و كانوا يهتفون أيضا للصندوق ، ومع آخر دوره للمفتاح ، شعر أن الحقيقة اصبحت بين يديه ، وأنه سيعرف السر الذي دفع من أحبوه يوما ما ، إلى أن يكرهوه الآن ، و أن يحرموه شرف محبة الناس ، مد يده المرتعشة ليفتح غطاء الصندوق المعدني الكبير ، ساعده بعد الحاضرين بالطبع ، الرائحة عفنه ، لكن الرائحة في هذة اللحظة لا تعنيه ، هو يريد أن يرى ما بداخل الصندوق من أوراق و شكاوى ، أن يقرأها كلها علّها تنير له ما يعتريه من ظُلمة ، وبالفعل كان الصندوق مليء بالأوراق ، و لكنها ليست الشكاوى التي إنتظر أن يراها داخل صندوقه القديم ، ليست تلك الصفحات البيضاء التي كانوا الناس يخطّون عليها أوجاعهم في إنتظار شفائها على يديه ، بل هي قصاصات فارغة ، وأخرى مليئة بحبر غائم رطب ، قصاصات تافهة لا معنى لها ولا دليل ، ألقاها آلاف على مدار السنين ليتخلصوا منها ، ولكي يتخلصوا منها ، قرروا إرسالها له مستهزئين ، وليست هي فقط ، هناك أيضا بقايا مأكولات ، وجرائد ، ولفافات مناديل ورقية قذرة ، وعبوات مياة غازية فارغة ، و قصاصات أقمشة متسخة ، ونمل و فئران و ديدان و عوالق ، بإختصار وجد في الصندوق قمامة ، قمامة بكامل هيئتها المتعارف عليها شعبيا ، إستدار ، ومشى حتى السلم الرخامي ، وهو يصعد درجاته مطئطئا رأسه ، ومع كل درجة يصعدها ، يشعر بسقوطة المدوّي ، نظر نظرة أخيرة على إنجازاته التي يراها في الصندوق ، ودارة عجلة السؤال مره أخرى في عقله ، وظل السؤال عالقا في ذهنه وهو يوقّع بيان تنحيه عن السلطة ، لماذا كان الشعب يراسله بالورود ، والآن يراسله بالنفايات و القازورات و القمامة ؟ على الرغم من أنه هو نفس الشخص ، والصندوق هو ذات الصندوق ؟

من غير كلام

كانت جالسة على العشب الأخضر في الحديقة ، تمشط شعرها الطويل بدلال ، تحت ظل الشجرة التي إعتادت أن تجلس تحتها كل نهار ، كانت لحظتها تشعر أن العالم ، يتكون من عنصرين فقط ، الفراغ و الكسل ، زاد من إحساسها هذا جو بداية فصل الربيع الصامت ، هي لا تعرف لماذا يغنون للربيع بإعتباره أجمل الفصول ، لا شك أنهم أغبياء جدا ، كانت هي غارقة في تخيلاتها حول الكسل و الربيع ، عندما عبر هو بالقرب منها في خيلاء و ثقه ، توقفت دقات قلبها للحظة ، ثم أنطلقت تعدو في ماراثون محموم ، وكل دقة تريد أن تسبق الدقة التي تليها ، بهرها شكله الوسيم ، وشعره المصفف بعناية ، بهرتها قوة شخصيته الواضحة من إتساع خطوته ، وكبريائة التي لا تخطئه عين ، إلتفت إليها إلتفاته صغيرة ، وسلّط كل سحر عينيه في مقلتيها تماما ، أصاب الهدف من أول رمية ، وجدت نفسها تتحرك من مكانها تحت الظل ، لتخرج من مجاله إلى مجال الشمس الساطعه ، والتي تحيل اللون الأخضر الغامق للعشب على الأرض إلى أخضر فاتح زاهي ، توقف هو ، وإنحرف ناحيتها ، بإتجاهها تماما ، بدأت هي بالتمهل في مشيتها ، فهي لا تريد أن يفتضح أمرها أمامه ، فهاؤلاء الذكور يبدأ إهمالهم للأنثى بمجرد أن يبدأ إهتمامها هي بهم ، إستمرت في التمهل حتى توقفت في منتصف المسافة بين الشجرة و بينه ، تقدم هو منها واثقا من نفسه تماما ، واضعا عينيه في عينيها مباشرة ، حتى وصل أمامها بحيث لم يفصل بينهما إلا شبر واحد ، نظر إليها نظرة كلها ثقه و إحتواء ، ثم إلتفت إليها لتتبعه ، مشى أمامها بخطوة ، بل بنصف خطوة ، وهي تتبعه كالمغيبه عن الوعي ، إنها لا تصدق نفسها الآن ، هي ؟! التي طالما رفضت متقربين كُثر لها ، تترك زمام أمرها في يد من لا تعرفه ، لمجرد أن رمقها بنظرة إعجاب ، داخلها يطمئن له ، بلا مبرر ، إستمرت في المشي بجانبه ، حتى إنحرف بها عند ناصية الحديقة ، ثم عبر وهي ورائة باب الفيلا المجاورة ، لم ينهره البواب الجالس على الدكة عند الباب ، إذا هو مقيم هنا ، ما يعني أنها الآن ذاهبه إلى منزله ، بإرادتها ، ودون أي رفض أو مقاومة ، أو حتى تسائل ، بدأت خطواته تسرع وهو يتوجه إلى ركن الحديقة الخاصة بالفيلا ، وهي ورائة تتابعه ، حتى وجدت نفسها معه وسط حشد من القطط أمثالهم .

نيااااااو


مستوحاه من قصة " عطية " للكاتب ماهر عبد الرسول محمد


زرار قميص


لم تشعر بالتعب وهي تنهي أعمال المنزل المعتادة ، وترمي جسدها النحيل المنهك ، ليلتصق بجسد أمها الممتليء من أثر التقدم في العمر و قلة الحركة ، على الكنبة الوثيرة في الصالة ، لم تشعر بالتعب لأنها إعتادت أن تفعل ذلك دوما ، كل يوم ، كل ساعة ، كما أنها من نوع البشر ، الذي لا يلقي للتعب الجسدي بالا ، فقط نفسيتها عندما تتعب يمكن أن تُقعد جسدها عن الحركة ، وتحيلها إلى كائن شاحب هزيل .هي إنسانة شاعرية إلى أقصى مدى ، تزوجت مبكرا ، وطلقت مبكرا أيضا ، لا ينقصها مالا أو جمالا أو تعليم ، فقط هي لا تنجب ، ولن تنجب إلا بمعجزة من السماء ، وفي عصر لا يؤمن به أحد بمعجزات السماء ، حُكم على زواجها بالإنهيار ، وعليها بالوحدة .عادت كأي مطلقة إلى بيت أهلها مرة أخرى ، لم تشعر بالجرح ، فالسنوات الثلاث التي عاشتها في بيت زوجها السابق ، لم تعني عندها اي شيء ، سوى إعتياد الحياة مع رجل تقليدي جدا ، وحتى لحظة إتمام إجراءات الطلاق ، لم يتحرك داخلها سوى إحساس بالهزيمة ، وإكتشفت أنها لم تُكنّ لهذا الشخص الذي كان زوجها منذ لحظات ، أي مشاعر سلبية أو إيجابية ، و عندما عادت مع شنطة ملابسها إلى منزل العائلة ، لم تشعر أنها غادرته إلا منذ وقت قصير ، وكأن الثلاث سنوات التي مرّت عليها في بيت الزوجية لم تكن ولم تمر ، وكأن هذا الرجل كان حلماً وإستيقظت منه بعد نومة طويلة نسبيا .

مدّت ذراعها لتلتقط بأناملها حبيبات اللب الأبيض التي تعشقه من طبق المكسرات الكبير على طاولة الأنترية ، دسّت حباية لب بين اسنانها وشرعت في كسرها بإحتراف النساء في هذة الأمور ، عندما سمعت دورة المفتاح في كالون باب الشقة ، هو أخوها بالتأكيد الذي جاء ، أخوها الكبير ، هو الآخر مطلق منذ عامين ، رغم أنه يعمل مدرس بالجامعة ، ولديه كل مقومات الزواج ، وسنة لم يتعدى الأربعين ، إلا أنه لا يريد الزواج مرة أخرى أبدا ، فقد خرج من تجربة زواجة الأول بعقدة كبيرة ، وعدة فضائح ، وقضيتين ، وحزن لم يفارقه منذ حينها ، وجفاء وفتور بينه وبين كل العالم من حوله ، أصبح صموتا مكتئبا ، يبتعد عن الناس و الأهل ، وحتى عنها هي ، أخته الصغرى التي طالما أحبها و دللها ، ولأن المصائب لا تأتي فرادى ، فقد أصيب أيضا بمرض السكري ، والذي زاد من عذابها إصراره على حقن نفسه دون مساعدة بالأنسولين كل يوم ، ورفضه تماما مساعدتها هي أو أمها له في هذا الأمر ، أو أي أمر آخر ، وحيدا أصبح هو ، وأمسى ، وصار أكثر من وحيد .

مالت علبها أمها تهمس لها بعد أن ردّت التحية المقتضبه التي ألقاها هو عليهن ، بأن تسأله إذا كان يريد طعام الغذاء الآن ؟ إتجهت هي إلى باب حجرة أخيها تطرق عليه بحذر ، و كأنها تخشى أن تجرح وحدته ، حتى لو بصوت ، جائها الرد مقتضبا جدا ، " إدخل " ، رسمت إبتسامة عريضة على شفتيها وفتحت الباب بتؤده ، دخلت لتجده يخلع قميصة الذي كان يرتديه ، سألته بحنان وهي تربت على كتفه ، " مش جعان يا أبيه ؟ " رد بهدوء ، " لا " تنظر إلى زراعه العاري وتتذكر كم نامت من قبل على هذا الذراع ، كم كانت تشعر بالأمان و الحماية و الإطمئنان ، تذكرت هذة الندبه التي كانت هي السبب فيها ، عندما تشاجر أخيها مع أحد الغوغاء الذي حاول أن يجذبها من ذراعها في السوبر ماركت ، فجرح بنصل المطواة التي كان يحملها هذا الشخص السمج ، كم تمنت أن ترتمي في أحضان أخيها الآن ، وتبكي ، كم تمنت أن تجعله هو أيضا يبكي ، يخالجها يقين بلا دليل ، أن بكائها و بكائه سيعيد له الحنان المفقود ، وسيعيد لها الأمان المفقود أيضا ، لا تعرف كيف ، ولا لماذا يستعر داخلها هذا الإحساس ، فقط هي متأكدة بلا سبب مقنع أو واه ٍ ، أفاقت من ذكرياتها على صوته الهاديء الحزين يطلب منها أن تخيط له زرار قميصه الأبيض ، فلقد أنفصل عن موضعه كما يحدث أحيانا ، خرجت مسرعة إلى حجرتها لتحضر أبرة و خيط ، ممسكة بالقميص بين يديها ، وفرحة ، فهي المرة الأولى منذ عامين ، التي يطلب منها شيء بشكل مباشر و صريح ، جلست على طرف سريرها في غرفتها و بدأت تخيط القميص رويدا رويدا و بمنتهى الدقة و الحرص ، تأكدت من أنه قد ثُبًت جيدا ، حاولت نزعه عدة مرات زيادة في الحرص ، ثم عادت إلى أخيها الذي كان قد إرتدى بيجامته اللبنية ، قالت له " إتفضل يا آبيه " أخذ القميص من يدها ، وهمَت بالإنصراف ، عندما وجدته يميل ناحيتها و يطبع قبله أخوية جميلة على جبينها الخمري ، لم تستطع منع دموعها من الإنهمار ، حاولت حبس أنفاسها ذاتها دون جدوى ، شعرت أن أخيها عائد من سفر طويل ، وكأنها تراه لأول مرة منذ سنتين ، إحتضنها و قبّلها في شعرها الناعم ، قبلتين أخرييتين ، ومضى إلى الحمَام ، بللت دموعها وجهها ، وأرتسمت أبتسامة فرح حقيقية على وجهها الملائكي ، ولم تشعر إلا و يدها تقتلع زرارا آخر من مكانه ولكن من القميص الكحلي .

شبح إبتسامة


كانت تداعب سلسلة المفاتيح الطويلة بيدها في ملل واضح ، عيناها تنظر إلى الطريق وهو يطوى تحت عجلات السيارة الفارهة التي إشتراها زوجها منذ بضعة أيام ، سيارة كبيرة من نوع الجيب التي تكرهه ، لكن زوجها يهوى هذا النوع و كان يتطلع إليه دائماً ، وها هو الآن يمتلك واحدة من تلك السيارات التي طالما كان يحلم بها ، هي لاتعرف مايستهويه في هذا النوع الفاره المخيف ، سيارة لا يمكن أن تشعرك بالحميمية أو الألفه ، كما أن بها الكثير من النزعات العنصرية و التعالي ، فقط جهاز التكييف بها جيد ، هو الشيء الوحيد المحبب لها في هذة السيارة ، إنحنت برأسها للخلف ، لتلامس مخدع كرسي السيارة الوثير ، غاصت برقبتها في بطانته المريحة ، المريحة بدنياً ، إرتكزت برأسها المائل لتسطدم نظرتها بالزجاج المغلق معتم اللون ، كم كرهت هذا اللون المعتم ، صحيح أنه يمنع من في الخارج أن يرى من في داخل السيارة ، لكنه يشعر من بالداخل أنه في سجن حقيقي ، يأسره داخل حدود السيارة الديقة مهما رحبت ، ويحيله إلى جزء من غيام كئيب .

هاقد وصلنا ، قالها زوجها بإرتياح وسعادة ، مدخل الفندق الضخم ، التي نزلت فيه هي وزوجها عشرات المرات ، هو ذاته الفندق الذي شهد ايام شهر العسل ، وهو ذاته الفندق الذي ذبحت فيه عذريتها بطريقة لم تنساها أبداً يوما ما ، إقتنص يومها حقه إقتناصاً ، ونام ، لم يتألم لبكائها ، أو إنكسار مشاعرها تحت وطأت هجمته الشرسة ، فقط تألم عندما إستضم معصمه بطرف المنضدة ، هذا ما كان يؤلمه في تلك الليلة ، مر على تلك الواقعة عشر سنوات ، أثمرت عن عمر من التعاسة و طفلين وسيارة جيب ، ورحلة تمقتها إلى مكان تمقته ، طالما كان لديها الدافع و الإستعداد لتغفر و تصفح و تسامح وتنسى وتعيد عقارب الزمن للوراء عشر سنوات ، فقط إذا قال لها كلمة رقيقة ، أو أهداها وردة ،أو إعتذر لها يوما عن ذنب تافه يكون قد أقترفه في حقها ، لكنه لم يفعل . . أبداً لم يفعل .

إستدارت تلملم باقي أغراضها قبل أن تغادر الغرفة ، عوامات الأولاد ، كريم الشمس ، كارنيهات المناشف لتستبدلهم على الشاطيء ، رواية لإحسان عبد القدوس تقرأها للمرة السابعة عشر ، الجرائد لرب الأسرة ، وضعت كل الأشياء في شنطة صغيرة من نوع "الهاندباج " و مشت ورائه و أبنائها كالتعجة في القطيع ، هي طبعاً آخر القطيع ، كم تمنت أن يحمل عنها تلك الشنطة ، أو حتى يعرض عليها حملها ، لم يفعل بالطبع ، نزلت الدرج المؤدي إلى باب الخروج للشاطيء ، فتح الباب ليعبر هو أولا ً ، ثم الأبن الأصغر ، فالأكبر ، ترك الباب ليغلق من تلقاء نفسه ، سندت الباب بظهر معصمها التي تحمل به الشنطة ، و أكملت بذراعها الضعيفة فتحه وهي تلملم طرف ثوبها كي تمنع الرمال أن تعلق به ، رأت البحر ، كانت لم تراه حتى تلك اللحظة ، تمنت أن ترتمي في أحضان البحر متدثرةً بضوء الشمس ، فاردةً ذراعيها عن آخرهم لتحتضن الكون .

إنتهت السهرة ليلا ، عائدة هي إلى الغرفة خلفه ، يفتح باب الغرفة تاركه لها لتغلقه ، يخلع ملابسه ويجذبها ، وكما جرت العادة بينهم طوال عشرة سنوات ، يقتحمها دون إذن أو هوادة ، لتشم هي رائحة عرقة الممتزج بالعطر الرجالي الثقيل ، تألمها ذقنه المنبته الخشنة ، يدايقها هذا السوار الفضي الذي يلتف حول معصمه ، تزعجها زفراته و أنفاسه ، ثم ينتهي كل شيء ، دون أن تشعر هي باي حميمية أو سعادة ، فقط هو سعيد ، يبتسم ويتنهد ، ويتجشأ و يرقد على ظهرة ، يطلب منها أن تغلق الضوء ، الذي يصر هو أن يكون مضائاً ليفقدها أي شعور برومانسية تلك اللحظات ، تطفيء نور الأباجورة ، تتقوس على ذاتها في وضع جنيني، و تبكي، أو على وجه الدقة تنتحب ، فيمتزج صوت نحيبها مع صوت"شخيره"العالي لتستيقظ صباحاً فتجده مازال نائماً ، تنظر إلى جسده الضخم الراقد في ثبات ، تحاول إيقاظة ، تناديه بإسمه ، تهزه ، تنهره ، تلطمه على خديه ، دون جدوى ، تعرف يقيناً أنه قد مات ، تبكي ، تنهمر دموعها إنهماراً ، تجلس على حافة السرير ، لترى صورتها في مرآة التسريحة ، وجه ممتقع ، وعينان مبللتان بالدموع الكثيفة ، وأنف مرتشح ، ولكنها مع هذا تلمح شبح أبتسامة فوق شفتيها ، إبتسامة رضا وإرتياح .

ربما . . لن يدرك أبداً

كان يلملم أوراقة إستعدادا ً للرحيل حين تلألأت في عينيه تلك النظرة التي تعبّر عن الإنتصار و النجاح ، و كيف لا و قد أتم حالاً الصفقة التي سعى ورائها شهوراً عديدة ، لقد تم توقيع عقد بيع الأرض التي طالما حلم به ، و بالسعر الذي يحقق له أفضل إستفادة ، فبتوقيع صاحب الأرض على عقد البيع ، إنتقلت عدة آلاف من الجنيهات إلى حافظته دون عناء , بالطبع هو لم يكن المشتري ، فهو لا يملك المال - ولا الحظ كما يحلو له أن يقول - ليقدم على شراء أرض مثل تلك التي بيعت منذ هنيهة ، هو فقط وسيط ، يوفق بين البائع و المشتري و يأخذ عمولته من كلاً منهما دون معرفة الآخر بالطبع ، فهو سمسار ، وهذة مهنته ، صحيح أنه يحمل شهادة دبلوم الصنايع ، ولكنه نسى كل ما تعلمة في المدرسة الصناعية في قسم الخراطة ، فقط يتذكر تلك الورشة التي عمل فيها سنة ، و كانت كافية لتجعله يغير مسارة لللأبد ، ويقرر أن لا يعمل في هذة المهنة أبدا ً .

مشى في الشارع ، و النشوة تقطر منه مع حبات العرق المتناثرة على وجهه و صدغيه ، و شعورة بالإمتلاك يملأ كل كيانه ، و هو يحمل كيس النقود الثقيل ، عدة آلاف من الرزم النقدية ، ذات الرائحة النفاذة ، ستستقر بجوار مثيلاتها في جوف دولاب الملابس العتيق في غرفة نومة ، حتى غد ، حين تفتح البنوك أبوابها لتلتهم و تلفظ أوراق البنكنوت ، كعادتها كل يوم ، لن يضع هذا المال في الدفتر ، بل سيضعه في الحساب الجاري ، فهو سيحتاجة بعد عشرة أيام ليعطي للمقاول دفعة من دفعات البناء الذي يشيده في منطقة شبرا الخيمة ، ليصبح لديه – بيت ملك – كما حلم دائما ، هو منزل من أربع طوابق على مساحة مائة و عشرون مترا في منطقة شديدة العشوائية ، لكنه بالنسبة له كقصر فيرساي ، هو حلمه الكبير ، و الآن يتحقق رويدا رويدا ، بالطبع لن يعطي للمقاول دفعته كامله ، و سيتعلل بنقص المال و ضيق الأحوال ، كما إنه سيحاول أن يحصل منه على تخفيض ما ، ربما ينجح . جزء آخر من هذا المبلغ سيذهب إلى قسط التأمين – الذي يقسم الوسط – كما يقول دائما ، فتأمين أربعة سيارات نقل ليس بالأمر الهين ، صحيح أنه إشتراهم بنصف ثمنهم ، لحاجة البائع الماسة لبيعهم وقتها ، و بالطبع هي شطارة أن "قرص" عليه في السعر مستغلا حاجة الماسة للبيع و النقود ، ولكن ماذا لو إستطاع أن يأخر أقساط التأمين هذة ، أو يماطل فيها ، ربما كان هذا أفضل ، فهو لا يزرع النقود ، ولا يضرب الأرض لتطرح ذهبا ً ، كما أنه عليه الكثير من المصروفات ، يكفي منها السماد و الكيماوي اللازمين لزراعة الخمس أفدنه المنبسطة تحت شمس أسيوط ، تلك الخمسة أفدنه التي إستولى عليها كميراث ، و التي أدت إلى القطيعة بينه و بين أخواته البنات و أزواجهن الجشعين ، الذين كانوا يحرضون أخواته عليه طمعا في الأرض ليس إلا ، لكنه كان "صاحيلهم كويس " ولم يترك لهم فرصة الهجوم ، فأستولى على الميراث فورا بعد وفاة الأب ، كما أستولى على أرض الأم حال حياتها دون عناء يذكر ، لذلك فهو يحمد الله دائما أنه لم يخلق له أخ ذكر يقاسمة و يعانده في ما أكتسب او كسب . هناك أيضا ضرائب محل العلافة الذي يجب دفعها هذة الأيام ، سحقا لهذة الضرائب التي ندفعها ولا نعرف لها مقابل قط .

كان يمشي مترجلا على يمين الطريق في شارع شريف ، عندما تذكر أنه لابد أن يذهب أولا إلى العتبة ، فهو يريد أن يلحم إطار نظارته الصدأ ، ربما يكافيء نفسه بشراء إطارا ً جديدا ً ، طبعا ً إذا كان السعر مناسبا جدا ً ، و إلا ً ، فليلحمها و كفى ، وصل ميدان العتبة و بدأ يعد العدة لمباغته العامل في ورشة النظارات ، رسم تعبير الغضب بإحكام على وجهه المستدير ، و ضغط رأسه لينتفخ لغده تحته ، و هم ليعبر الطريق و هو يلوح بيديه معبرا ً عن الإستياء ، فها هو العامل يقف على باب الورشة ، و يراه وهو قادم ، بالطبع هي مقدمات لخلاف لابد أن يخرج منه منتصرا ، ليخفّض بعض الجنيهات ، أو يحصل على "شنبر نظارة " جديد بثمن بخس ، لقد إعتاد العامل منه على هذا التصرف ، حتى بدأ يفقد تأثيره عليه ، ولكن لا سبيل آخر للفوز بالمال سوى التعامل بتلك الطريقة مع هؤلاء الحسالة الجشعين . تقدم في إتجاه الورشة مهرولا ، متفاديا العديد من السيارات التي تمر في الطريق الفاصل بينه و بين باب الورشة ، تعجب من نظرة العامل الفزعه له ، كما تعجب من الصخب و الصراخ ، و عندما رآى ظل السيارة النقل الذي غمره لم يدرك في حينها أنه أصبح ضحية حادث مروع ، و ربما . . . لن يدرك أبداً .

حديث البرتقالة

إستلت سكينها المصنوعة من غطاء عبوة سمن مستعملة كانت قد وجدتها في إحدى صناديق القمامة الكثُر التي إتخذتهم في يوم من الأيام ملجأ لها يسمى مجازا بيتا , و شرعت في ذبح ثمرة البرتقال النائمة في راحة يدها الصغيرة , و التي كانت قد سرقتها من فوق عربة البرتقال في غفلة من بائعها , تناولت سكينها الصفيحي ، و بدأت في إستحضار لحظة النهاية في عقلها ، عندما يقطر في جوفها هذا العصير الرائع المذاق ، خاصة في يوم حار كذلك اليوم ، فحرارة الشمس تشير إلى منتصف أغسطس ، و الهواء ساخن و مسموم ، عادم السيارات الذي يلفها من كل جانب و هي جالسة تحت هذا البناء الشاهق المسمى كوبري أكتوبر ، يذكرها بكل ايام حياتها الصيفية الماضية ، هي لا تتذكر أبدا أنها كانت في مكان آخر غير الشارع ، هي تعرف أن لكل الناس بيوت ، و أنها لا تملك واحدا ، هي أيضا لا تبحث عن بيتا ، تظن داخلها أن هذة طبيعة الأشياء ، فمن الطبيعي أن ينام الناس في بيوت ، و من الطبيعي أن تنام هي في صناديق القمامة الكبيرة متصارعة ليلا مع القطط و الفئران ، بالطبع هي إنسانة ، و هي تعرف ذلك ، لكنها تشعر أن هذا وعدها من الدنيا ، لذلك لم تشعر أبدا بوخذ الضمير عندما سرقت البرتقالة ، ولن تشعر بوخذ هذا الضمير عندما تأكلها ، فهذا هو حقها من الدنيا ببساطة ، و قد مدت يدها و أخذته ، فقط برتقالة لتسد رمقها و تروي عروقها في هذا اليوم الحار ، جميل شكل البرتقالة و هي تتعرى كاشفة عن لونها الأبيض الناصع , و كأنها تلبس تحت قشرتها البرتقالية , ملابس داخلية ، بيضاء اللون ، فلا يصح أن تنكشف عورتها هكذا من أول طعنة سكين , و على من يريد هذا العصير الممتاز أن يتعب قليلا ليحصل عليه ، إتسخ الثوب الأبيض بعض الشيء من تلك الأتربة العالقة بكفها الصغير ، لكنها لم تلقى لهذا بالا ، و بدأت تقطّع ثوب البرتقالة الأبيض و تأكله , تعلمت هي أنه عندما تأكل هذا الكفن المليء بالألياف النباتية أولا ، فإشتياقها لقطرات العصير المنعش في جسد البرتقالة يصبح أكبر ، فتستمتع أكثر ، كما أنها تشبع أسرع ، علمتها التجربة و الحياة هذة الأشياء ، فحفظتها عن ظهر قلب ، لكن الحياة لم تعلمها وسيلة تعرف بها مسبقا متى تلوح في وجهها أحزية السُلطة ، فلم تشعر إلا و حزاء الميري في وجهها ، يتهاوى على المنطقة ما بين عينيها و كرامتها و خطر التخشيبة ، إنتفضت مسرعة هاربة ، و السباب يعلق بأذنيها كأنه قرط من نار ، لم يعد السباب يعني لها شيء ، فهي لا تعرف لها أما تغار على حقها ولا أب تهب لحماية أسمة الذي لطّخه السباب ، بل قد تكون ناقمة عليهم و راغبة في سبابهم بما هو أشد و أقسى ، إبتعدت قليلا ، و إنصرف تفكيرها في السبب الذي دعا هؤلاء القوم ذوي الرتب و السلطة في أن ينازعونها مكانها تحت الكوبري ، هي تسمع أنه ممنوع ، لكنها لا تعرف لماذا هو ممنوع ، تمنت لو كانت واجهتهم بسكينها الصفيحي ، فقتلتهم جميعا ، و إستمتعت بعرشها تحت الكوبري ، جف ريقها من الخوف و الحر ، تذكرت البرتقالة ، التي فقدتها في معركة الهروب من السُلطة ، و إختلط في عقلها ووجدانها صوت السباب بطعم التراب و شكل الحزاء الميري الثقيل ، إلتفتت يمينا و يسارا لتعبر الطريق ، متجهه إلى عربة البرتقال.

وسيم

محني الرأس دامع العينين ، كان يمر وسيم إلى جوار محل الشربتلي مودعًا ، في هذا الصباح الباكر من صيف عام " 1945 " .. كان هو الطفل ذو العشرة أعوام الذي طالما تأمل تلك الملابس التي تكسو تماثيل المانيكان الخشبية ، ملابس رجال من أفضل طراز ، ريدنجوت و إسموكينج و معاطف صوفية ، و بدلات تشريفاتية و قمصان حريرية و كتانية ، و أحذية جلدية ذات لونين الأبيض و الأسود ، و طرابيش من الجوخ الأحمر ، كلها وضعت في الواجهة الزجاجية الأمامية ، أما في الواجهة الجانبية فهناك أصناف من الساعات و المحافظ الجلدية و الأحزمة ، و القلادات و الدبابيس الذهبية و أزرار الأساور ، إلى آخر تلك الأشياء التي تميز الطبقة العليا في المجتمع من البكاوات و الباشاوات زبائن هذا المحل الراقي .

كان وسيم يعرف كل معروضات هذا المحل ، و يحفظها عن ظهر قلب ، وكيف لا و هو الذي يقف عند هذه المعروضات يتأملها يوميا أكثر من ثلاث ساعات ، ذهابا و إيابا يتفحصها ، يقيمها ، يتمناها ، يحلم بأن يكون أحد زبائن هذا المحل عندما يكبر .. يتخيل نفسه في كل بدلة أو قميص أو جورب .. يتصور دولاب ملابسه و هو ممتلئ بهذه الأصناف الكثيرة من ثياب علية القوم ، ساعده على ذلك أن المحل يقع تحت شقة عائلته مباشرةً ، و لكنه الآن متجه و أهله إلى سفر بعيد ، لا يعلم متى سيعود منه ولا كيف ، فعائلته الكريمة قررت أن تنهي أعمالها في مصر ، و تهاجر إلى بلاد الإنكليز كما يقولون ، طالما شعر وسيم بالضيق لارتباط عائلته بالمحتل في تلك الأيام ، لكنه كان يعلم أن لكل شيء ثمنا ، و أن تلك الحياة الرغدة التي يعيشها ، هي نتاج تلك العلاقة غير المريحة ، و التي طالما أرقته و أحرجته بين أقرانه في المدرسة و الحي .. الآن هو ذاهب بغير رجعة ، سعيداً بهروبه من نظرات الحقد في عيون أقرانه ، و لكنه حزين كل الحزن أنه لن يستطيع أن يكون يوماً من زبائن محل الشربتلي الشهير ، و لن يتلمس الدفء تحت معاطفه الصوفية في ليالي البرد القارس .

مرت من الأعوام عشرون ، ووسيم الآن شاب يافع ، متزوج من فتاة إنجليزية ، و له منها طفلة جميلة ، و في انتظار طفل آخر ، لم يعرف بعد هل هو ولد أم بنت ، فنحن الآن في العام " 1965 "، و لم تكن ظهرت تقنية السونار بعد ، و هو الآن في طريقه إلى أولى إجازاته في بلده مصر ، على متن الباخرة التي تقله من أحد موانئ البحر الإنجليزي إلى ميناء الإسكندرية .. حاول أن يتذكر أي شيء عن مصر ، تذكر الشوارع بصور متداخلة ، و الأشخاص كأشباح من الماضي السحيق ، فقط تذكر تفاصيل محل الشربتلي بكل دقة ، تعرّف داخل عقله على مكانه ، مظاهره و ألوانه ، أشكال وتفصيلات الملابس المعروضة داخل واجهته الزجاجية البراقة ، تذكر كل شيء بكل دقة ، و كأنه لم يغادر المكان سوى بالأمس ، و في طريقه من الإسكندرية للقاهرة ، كان مشتاقاً أن يرى المعروضات الجديدة ، و قرر أن يصبح زبوناً كما تمنى طوال عمره .. خرج من محطة القطار و كأنه عاشق ولهان يسرع ليلاقي حبيبته ، استقل سيارة تاكسي " شارع فؤاد يا أسطى "، أغلق الباب أو السائق كان قد أغلقه ورائه ، لا يدري ، فقط كل ما جال بخاطره في الطريق ماذا سيختار ، معطف أم بدلة للسهرة ؟ حذاء أسود أم بني اللون ؟ ماذا سيقول للبائع ، آه ، البائع ، هل ما زال هذا الرجل السمين الأصلع ذو الابتسامة العريضة و المتعرق دائما هو من يخدم الزبائن داخل محل الشربتلي ، أم ترى قد تغير هذا الشخص ، كما تغيرت أشياء كثيرة طوال العشرين سنة الماضية ؟ " وصلنا يا أستاذ " هكذا أيقظه صوت السائق من خواطره .. نقده مبلغا من المال و شكره .. تابع لافتات المحال على جوانب العمارات ، آه ، ها هو محل الشربتلي ، على واجهته لافتة تقول " مكتبة الشربتلي للثقافة و الفنون " .. تسمر وسيم في مكانه ، انعقد لسانه ، انفرج فوه عن صيحة دهشة مكتومة داخله .. أين الملابس و الأحذية ؟ أين المعاطف و الجوارب و القلادات ؟ لا يرى أمامه سوى كتب ، رفوف من الكتب .. دخل بدافع الفضول تتصفح عيناه ما على الرفوف من كلمات و عناوين : " الاشتراكية و مذهب التعددية " ، " الثورة المصرية " ، " الفكر التعاوني و آثاره على المجتمع " ، " مقالات في النظرية الماركسية " ، " القومية العربية " ، " الشعوب العربية و تحديات العصر " ، " ناصر و الثورة " ، " الميثاق " .. اندهش وسيم من هذا التغير الكبير في المكان ، و الذي أعقب التغير في الزمان و القيادات و التوجهات و السلطات . حزن كثيرا ، و عرف أن حلمه في أن يلبس من محلات الشربتلي و أن يكون أحد زبائنه المرموقين قد تبدد للأبد .. ابتاع بعض الكتب و شكر البائع و خرج ، وفي نهاية إجازته حاول أن لا ينظر لمحل الشربتلي و هو يعبر الطريق ليستقل سيارة أجرة ، لتقله إلى محطة القطار ، لكنه لم يشعر بنفسه إلا و هو يقف داخل مكتبة الشربتلي ، و يبتاع كتابا جديدا يعينه على وحدة السفر و طول المسافة ، كان الكتاب بعنوان " تصفية الإقطاع في التجربة المصرية " .

مرت سنوات ، و سنوات أخرى ، وسيم الآن في مطار القاهرة في العام " 1980 "، يحمل حقائب السفر و مبلغا كبيرا من المال ، و سنوات عمر تتجاوز الخامسة و الأربعين ، و شعيرات بيضاء أضاءت جانبي رأسه ، و مشكلات اجتماعية طاحنة .. انفصال مؤلم عن زوجته الإنجليزية ، و انفراد الابنة بحياتها على الطريقة الأوربية ، و تذمر دائم من الابن على كل ما هو عربي .. القصة الدائمة للمهاجر العائد إلى الشرق ، نجاح في العمل و فشل اجتماعي يمنع أي بهجة يمكن أن تفوز بها مقابل هذا النجاح العملي .. زواج من أجنبية ينتهي بالانفصال ، و الأولاد مع الأم دائما ، و يعود الأب أدراجه يلملم نقوده متجها إلى جذوره التي كانت ، و كأي مهاجر عربي عائد إلى بلاده ، اتجه وسيم إلى مصر ، وهو الآن في طريقه إلى بيت العائلة ، الذي ظل مغلقا تسع سنوات ، بعد أن توفيت آخر الخادمات المصريات التي كانت ترعى البيت من وقت لآخر في أثناء غياب أصحابه . تذكر محل الشربتلي ، الذي أصبح مكتبة الشربتلي فيما بعد ، تذكر الكتب التي كان قد ابتاعها و قرأها ، تذكر أيضا أنها الكتب الوحيدة التي أحضرها معه و هو عائد من سنوات غربته ، على الرغم من المكتبة في بيته اللندني الزاخرة بكل ما هو قيّم ، فقط هذه الكتب هي ما قرر هو أن يأخذها ، أن يحتفظ بها ، و كأنه بذلك يحمل صك انتمائه إلى مصر .. فاجأه صوت السائق الجهوري : " وصلنا يا باشا ، أي خدمة " سأل عن الأجرة ، و أجابه السائق بمبلغ مبالغ فيه بعض الشيء ، نقده إياه و ترجل من السيارة و عينيه تسبقانه ، بحثا عن مكتبة الشربتلي ، لتصطدم بلافته ذات ألوان صفراء و خضراء و حمراء كتب عليها " بوتيك شربات " .. ارتسمت الدهشة على وجه وسيم و جحظت عيناه في مشهد يذكرنا بأفلام كارتون الأطفال ، سقط فكه السفلي و انعقد حاجباه و زام " وااااااااااو " تقدم رويدا رويدا ليقترب من المكان ، متفحصا أصناف البضاعة المعروضة في واجهته الزجاجية ، التي أصبحت غير براقه بالمرة ، من كثرة ما بها من ملصقات ، على الرفوف أنواع متعددة من الشامبوهات و الكريمات و إكسسوارات السيدات ، و شرائط الكاسيت و منتجات بلاستيكية و استانلس ستيل خاصة بالمطابخ و أعمال الطهي ، و برفانات و ماكينات حلاقة كهربائية و يدوية و بعض لعب الأطفال و...و...و...و " كله مستورد يا بيه " ، نظر إلى البائع على باب المحل ، فوجده يخاطبه بأسلوب مقتحم و لهجه بورسعيدية واضحة ، دخل وسيم إلى المحل ، فلم تخطئ عينه المتدربة على المنتجات الأوربية الجيدة ، سوء حالة المنتجات المعروضة ، و عدم جودتها ، بل إنه رأى في بعضها أنها منتجات معيبة ، و غير صالحة ، و في الداخل كان العجب في انتظاره .. شرائط فيديو و معلبات فواكه و عصائر و عبوات شاي و سكر ، و راديوهات ترانزيستور و كاسيتات و سجائر ، كل شيء تقريبا يوجد هنا ، حتى أن وسيم توقع أنه لو سأل عن ابنه أو ابنته سيجدهما في الفاترينة و عليهم ورقة السعر .. خرج وسيم دون أن يشتري شيئا ، ولم يفته أن يلحظ نظرة البائع إليه بازدراء و حنق ، متحسرا على وقته الثمين الذي أضاعه مع هذا الزبون غير النافع .

قضى وسيم شهورا في القاهرة يحاول أن يبدأ حياته من جديد في بلده ، لكنه فشل و خسر و تعب ، فغادر كما جاء ، و لكن هذه المرة دون أن ينظر إلى الوراء ، على لافتة محل الشربتلي التي أصبحت ( بوتيك شربات ) .

مات وسيم في العام " 2005 " عن عمر يناهز السبعين ، و ترك وصية لم ينفذ منها أبناؤه سوى بند واحد فقط ، ألا و هو أن يدفن في مصر ، فقط لأن تنفيذ هذا البند يوفر المال و الجهد ، و يعفي أبناءه في إنجلترا من ثمن مقبرة و صندوق يليق بمستواهم الاجتماعي .. قامت ابنته وولده بشحنه على متن الطائرة المتجهة إلى مصر ، على أن يتسلمه أحد أقاربه هنا لتقوم عائلته في القاهرة بإيصاله إلى مثواه الأخير في مقابر العائله بالدرّاسة .. وصل الصندوق إلى قرية البضائع ، و تسلمته العائلة ، و ذهبوا به إلى بيت العائلة في شارع فؤاد ، لتخرج الجنازة ظهرا من هناك إلى المقابر .. إحتشد عدد قليل من الأقارب و الجيران و معارف الأهل و الأسرة ، تباكوا على الفقيد بفتور ، و انخرط بعضهم في أحاديث جانبية ليس لها علاقة بالفقيد .. دارت أقداح القهوة و أكواب الماء .. تمت إجراءات الغسل و التكفين و تحضير الميت للدفن ، توجهت الجنازة نزولا على سلالم البيت العتيقه ، خرجت مارة من أمام المحال المجاورة ، أحدهم مغلق يحمل لافتة كتب عليها " موبايلات شرباتكو " و على الباب كتبت عبارة : " تحت الحجز التحفظي ، مغلق لإفلاس التاجر " .

ليال

كانت كالعادة تضحك حانية على إحدى تلميذاتها في المدرسة ، ليال ، هذه التلميذة النجيبة التي تراها فتشع في روحها بهجة و ود ، كانت دائما تنظر إلى هذه التلميذة و تشعر بالفخر أنها تلميذتها هي ، في فصلها هي ، كما أن مشاعر ليال تجاهها كانت تشعرها بقيمة عملها كمعلمة ، مربية أجيال كما كانت تفضل دائما أن تقول . كانت تنظر إلى ليال و تسرح ، وتتمنى أن تكون لها ابنة في أخلاق ليال و جمال ليال و تفوق ليال ، و عند هذه الفكرة دائما كانت تدمع عيناها ، فهي تعلم أنها أمنية لن تكون ، و فرحة لن تحدث ؛ فهي لن تتزوج أبدا .. هكذا قررت منذ زمن ، وهكذا عاشت و رتبت حياتها . كانت تقول لنفسها دائما " ابناء إخوتي هم أبنائي ، و وحدتي هي درعي الحامي "، فتجارب الزواج حولها غير مبشرة ، ولا مشجعة على المجازفة بخطوة في هذا الاتجاه ، أبدا .

كانت تخرج من بيتها في الصباح الباكر وحيدة ، تشعر بالبرودة تسري في أوصالها ، ذاهبة إلى مدرستها التي تعمل بها ، لتعيش مشاكل زميلاتها و ضحكات زملائها ، و براءة تلميذاتها و تلاميذها ، و مع جرس انتهاء اليوم الدراسي ، تعود إلى وحدتها ، متجولة في المدينة الكبيرة ، و كأنها ترجو من المدينة أن تبتلع وحدتها .. رعشتها .. ولكن المدينة لا تستجيب ، و يتجدد الأمل مع كل يوم , تظل تحاول حتى تتعب ، فتقفل عائدة إلى بيتها ، الذي لم تشعر هي أبدا أنه بيتها ، و الذي لم تتعامل يوما معه على أنه كذلك .. تحاول أن تملأ وقتها بأحداث حياة أختها الكبرى ، و مشاكل العمل الخاصة بأختها الأخرى ، تحاول أن تذوب في تفاصيل حياة الآخرين ، دون جدوى ، فالوحدة ليست حدثا يمكننا أن ننساه ، بل حياة نعيشها .. و العجيب أنها هي من اختارت هذه الوحدة ، و أحبتها ، بل و صادقتها أعواما و أعواما . و ينتهي اليوم لتنام ، و تصحو وحيدة ، لتخرج من بيتها ترتعد من البرد ، وهي تفكر في ليال ، تلميذتها الجميلة ، فتتمناها ابنة ، و تهرب دموع عينيها من بين أجفانها مذكرة اياها بالدفء المفقود ، لتعلمها أن لاختيار الوحدة ثمن لابد لها أن تدفعه ، و تعرّفها أن هدوء الوحدة موت ، و أن صرير أسنان الوحيد بكاء و أنين .. تمر أحداث اليوم متشابهة مع أحداث أمس ، و أول أمس ، و تجلس هي مغمضة العينين في انتظار جرس انتهاء اليوم الدراسي ، لتبدأ هروبها إلى عالمها الوحيد من جديد .

ترررررررررررن .. ها هو صوت الجرس ، يصرخ معلنا بداية فصل جديد من محاولة الذوبان بين التفاصيل و الاستمتاع بألم الوحدة الخانق .. و لكن ما هذا ، فرنين الجرس لا يريد أن يخفت ، او يتوقف ، فجأة تشعر بكف حنون توضع على خدها برفق بالغ .. تفتح عينيها ..

" صباح الخير "

تنظر إلى وجهه بكل ارتياح و تعلق ( صباح النور )

قومي بقى علشان أنا نازل رايح الشغل ..

تبتسم و هي تتمطى بدلال ( عارف ، كنت بأحلم حلم ، فكرني بأيام ما كنت لسه عبيطة و عايشة وحيدة في الدنيا دي ) ..

- خلاص مابقتيش وحيدة ولا عمرك حاتبقي وحيدة تاني ..

تضحك و تتعلق برقبته ، و تطبع قبلة طفولية على وجهة قائلة :

"لو كان الجنين إللي في بطني بنت نسميها ليال ".

لحظة خوف

صغيرة هي كانت في هذا المساء البارد ، مثلما كانت صغيرة دائمًا طوال سنوات عمرها التسع ، هاربة داخل معطفها الصوفي الحاني ، كان هو الشيء الوحيد الدافيء في تلك الليلة ، سياط البرد تلهب وجنتيها و طرف أنفها ، تدمع عيونها من شدة البرودة ، تلمع في ضوء البرق المتتالي ، وترتجف يداها و كيانها من صوت الرعد ، هاهو رزاز المطر الخفيف بدأ في التطاير منبئًا بقدوم سيل آخر من سيول الشتاء السماوية ، الليل و المطر ، الظلمة و البرد ، أسفلت الشارع القاسي ، أصوات الشباب العابث من حولها على النواصي و في المنحنيات المظلمة ، الخوف كل الخوف تملكها ، لازالت بعيدة عن منزلها بمئات الخطوات ، هل ستصل إلى بيتها بسلام ؟ تساءلت ألف مرة ، تساءت ألف ألف مرة ، بلا إجابة سوى الدمع الحبيس و الخوف و الرجفة المقيتة
هدى ، هدى ، سمعتها فارتجفت أكثر ، تعاظم إحساسها بالخوف ، تناثر في وجهها كل فزع البشر ، اهترأ بداخلها كل ما تبقى من جرأة أو شجاعة ، هو اسمها ، نعم هو اسمها ، تمنت لو كان لها اسم آخر ، تمنت لو لم يكن لها اسم أبدًا حتى لا تضطر أن تجيب ، ترى من هو هذا الصوت الأجش الذي يعرفها و يعرف اسمها و يناديها ، ترى ماذا يريد ؟ ماذا ينوي ؟ أتراه يريد بها خيرًا ؟ أم تراه وجدها فريسة سهلة في هذه الساعة من الليل و هذا الجو العاصف الماطر البغيض ؟ هو يعرفها ، بالتأكيد ، فها هو يعيد عليها اسمها ، كائن ضخم الجثة حذاؤه مبتل و ثنية بنطاله مبتلة أيضًا ، معطفه ثقيل و خشن ، يصل فوق أكتافه إلى عنان السماء ، ينير البرق من طرفة و كأنه يأتمر بأمره ، لم تستطع أن تميز وجهه في هذا الظلام ، لم ترَ من جسده سوى كف يده ، عروقه ترتسم تحت الجلد راسمة منحنيات و تقاطعات متشابكة ، بارزة هي و كأنها هضاب و تلال ، لا ، لا بل هي جبال ، تنسحب مع أصابع الكف إلى أن تصل إلى هذة الأظافر المليئة بالاصفرار المائل إلى السواد الحالك عند الأطراف ، بشعة هي بحق هذه اليد ، وهذه الأصابع و هذه الأظافر ، التي امتدت إليها لتقترب من وجنتيها أكثر فأكثر ، تملكها الفزع لدرجة بخلت بالكلام عن لسانها ، بخلت حتى بالصراخ ، لم تستطع أن تتنفس ، توقفت و توقف العالم حولها لبرهة ، دامت في عقلها قرون و قرون ، حاولت أن تستجمع شتات شجاعتها المفقودة ، حاولت أن تنتصر لجرأتها و لو للمرة الأخيرة ، ظنت أنها هالكة لا محالة ، بل تيقنت من ذلك ، فها هي بين يدي هذا الرجل القويتين ، ترتفع رويدًا رويدًا عن الأرض في رحلة هي تعلم جيدًا أن نهايتها أمام وجهه و عينيه ، لابد أنهما حمراواتان ، أو يخرج منهما نار و دخان ، لابد أن وجهه قبيح و مخيف ، بل سيكون مفزعًا ، تصورت ملايين الأشكال المفزعة لأبطال أفلام و حكايات و أساطير ، تخيلت ألوانا و ألوانا من العذابات ، حاولت جاهدة أن تغلق عينيها المفتوحتين عن آخرهما فلم تستطع ، بل قل إنها لم تقوِ ، ها هي الآن أمام وجهه ، وجهه ال ،، ال ،، ال !!!
متشبثة بالكف الضخم ، سائرة بجواره في سعادة سائلة إيّاه
بابا هي إيدك ليه فيها ألوان أسود كده
يجيبها في حب و بسمته تعلو شفتيه : " كل مصورين الفوتوغرافيا كده يا هدى ، علشان الأحماض ".
تبتسم هي مداعبة وجنتيها بأطراف أصابعه التي تتشبث هي بها و على شفتيها هذا التعبير الساخر
الساخر جدًا من الذات ،،

العيد العاشر

هو ،،
ذاهبًا إلى المطبعة في الفجالة ، يمشي في الشارع المزدحم بالناس و الأصوات ورائحة المأكولات الشعبية المختلطة بروائح أخرى ، في خليط غير متناغم من الأشياء سائراً و هو يحمل التصميمات الجديدة ، يتعامل معها بحرص ، خائفاً عليها كأنها طفلاً صغيراً ، مفادياً إيّاها و الناس ، صاخطـًا على ضربة كتف من هنا ، أو نغزة كوع من هناك ، متفادياً كافة الموانع الطبيعية في الشارع من أشجار و حيوانات و طين كان قد تكوّن على أثر الأمطار بالأمس ، متابعاً لكافة وسائل المواصلات المتحركة في هذا الطريق الديق العتيق من سيارات و دراجات و دواب تجر عربات ، متعرجاً كان طريقة دائماً في مثل هذا المشوار الذي يقضية تقريباُ مرتين في الإسبوع ، يذهب ليتسلم الشغل القديم و يسلم التصميمات الجديدة للشغل الجديد ، رغم أن وظيفته كمهندس تصميمات إعلانية ليس من مهامه أن يسلّم تصميمات للمطبعة أو أن يتسلم مطبوعات منها ، و لكنها طبيعة الظروف التي تحتم على الأنسان أن يفعل ما يجب أن يفعله ليس ما يحب أن يفعله ، تقدم قليلا ً من باب المطبعة و دلف إلى الداخل بخطوات تعرف طريقها إلى قلب المكان ، راسمًا على شفتيه إبتسامة مصطنعه ، ولكنها ودوده ، تلفح وجهه حرارة المكان الداخلية و تصم أذنه للحظات أصوات ماكينات الطباعة و تتسلل إلى داخل نفسه روائح الأحبار و قلويات الطباعة المميزة ، تستهويه هذة الروائح و يستهويه المكان و ماكيناته كلما جاء إلى هنا ، كان من أحلامة ، و لازال ، أن يمتلك مطبعة كبيرة كتلك التي يتعامل معها ، تابع العمل ، شرح التصميم الجديد لمسؤل تجهيزات الطباعة ، وضّح الجوانب التي يجب مراعاتها في التنفيذ ، تناقش مع صاحب المطبعة في بعض الحسابات ، دفع المبالغ المتفق عليها و راجع المطبوعات التي أنتهت المطبعة من تنفيذها ، نظر من النافذة للشارع المزدحم متلهفـًا أن تنتهي تلك الدقائق السخيفة المتبقية كي يخرج في رحلة العودة ، لن يعود إلى المكتب ثانيًا ، فلقد أتفق مع العمّال أن يأتوا إلى المطبعة لينجزوا باقي الأعمال ، إذا ً فهو حر أن يذهب إلى الحبيبة الآن ، حالاً ، بدون تأخير أو تلكأ ، خرج ملقياً السلام على الجميع دفعة واحدة مسطدماً بهواء الشارع البارد ، أنعشه هذا الإحساس بالبرودة ، أسعده ، حرك كل ذكريات الحب داخله ، مرتبط الحب عنده بالشتاء ، فلقد قابل حبيبته في الشتاء و أحبها في الشتاء و مر الصيف عليهم سويًا دون أن يشعرا به ، و تم الزفاف أيضًا في الشتاء ، و ها هو الآن ذاهبًا إليها حيث تعمل ، باقي على موعد خروجها ساعة ، كافية تلك المدة أن يصل بدون عناء ، لكنه كان متسارعًا ، يمشي سريعًا و يعبر الطريق سريعًا ، حتى عندما وصل إلي سيارتة كان يقودها سريعًا ، بل سريعًا جدًا ، مارقـًا بين كل السيارات مستخدمًا كل مهارته في القيادة ليصل في الموعد ، ووصل بالفعل ، قبل الموعد بخمسة و عشرون دقيقة ، نظر إلى نفسه في مرآة السيارة الأمامية و تعجب ، كانت ترتسم على قسمات وجهة علامات السعادة و الرضا ، لم يرى هو في عيني نفسه قبلا ً مثل تلك النظرة التي تحمل كل رضا النفس و الراحة ، تعجب ، تنهد ، تذكر لحظاته الجميلة مع حبيبته ، زوجته الجميلة و أبتسم ، مبتسمة كانت و هي آتية من بعيد ، ناظرة إليه متمتمه لصديقتها بكلمات لم يسمعها و لكنه فسر مغزاها ، لازالت نظرة الخجل ترتسم على وجهها عندما تراه ، رغم الزواج و الألفه و الحياة في بيت واحد ، ترتسم في عينيها نظرات الخجل عندما تراه خارج البيت ، و كأنها تخجل من أن يعرف الناس أنها تحبه أو أنه يحبها ، ركبت بجواره السيارة تلامس كفيهما معًا تلاقت عيناهما معًا ، سألها بلهفة عن ترتيبات الإجازة ليوم بعد غد ، طمأنته على موافقة إدارة العمل عليها ، فبعد غد سيكون عيد زواجهما العاشر

رسالة إلى العالم الآخر

زوجتى الحبيبة ,,,

و كأنى اشتاق أليكى كى أحيا , كى أعرف بين سنين اليأس طريقى , و أفك طلاسم مشوارى فى هذه الدنيا , و كأنى أشتاقك كى أبقى , فى وسط الحزن سعيدا ً بالأحزان , كى أغيب عن دفق الأحداث فى العالم حولى و أتخفى وسط دفق ذكرياتى معكى , تضمنى مشاعرك الملساء و كلماتك المبتهلة دائما ً .

لا تخشى شيئا ً حبيبتى , فعروستك الصغيرة هى فى موضعها , كما تعودتى أن تضعيها دائما ً , و زجاجة دوائك الفوار , ماذالت كما هى فى رف الثلاجة , , الثلاجة ,, نعم , فأنا لاذلت أضع زجاجات المياة الفارغة فى الثلاجة ,, لم أغير تلك العادة , كما لم أغير أيا ً من عاداتى , و كأن فى تغيير عاداتى خيانة لكِ , كل شى ء فى عالمنا الصغير كما تركتيه تماما ً لم يتغير سوى نظرة عينى و لم يختفى سوى الفرحة . و كأنك أخذتى الفرحة و ضحكة عينى معك , كم كانت جميلة عينيك وهى تضحك , و كم كانت أجمل و هى وسط بحر الدموع , و كأنك قدّر لكى الحزن منذ الميلاد و حتى لحظة موتك .

زوجتى الحبيبة , أحبك , أحبك كما لم يعرف قلبا ً فى الدنيا حبا ً , فأنتظرينى فى عالمك الجميل , فليس بيدى التأخير , فها أنا على الجانب الآخر أنتظر مشتاقا ً كى أعبر نهر الموت هذا أليكِ و لكن كما علمتينى , فكل شىء بقدر , فأنا لا أملك إلا أن أبقى منتظرا ً مشتاقا ً حتى تأتى لحظة الفرار الآخير فتنطلق روحى أليكى بغير رجعة , فأنتظرينى حبيبتى و لا تيأسى فأنا قادم لا محاله , و معى أعواد الريحان الجميلة التى تعشقين رائحتها .